افتتاحية وكالة الحوض للأنباء
نواكشوط :الخميس 19 فبراير 2026م مقابل 2 رمضان 1447هـ
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أطلق مفتش الأسلحة السابق لدى الأمم المتحدة سكوت ريتر تحذيرًا صادمًا مفاده أن حاملة الطائرات النووية “أبراهام لينكولن” قد تتحول إلى “بطة جالسة” في مواجهة تطور الصواريخ الدقيقة وأسراب الطائرات المسيّرة. تصريحٌ كهذا لا يمكن التعامل معه بوصفه رأيًا عابرًا، بل هو قراءة في تحوّل عميق يطال طبيعة القوة البحرية في القرن الحادي والعشرين.
لطالما شكّلت حاملات الطائرات عنوانًا للهيبة الأمريكية وأداةً مركزية في ما يُعرف بسياسة “إظهار القوة”. غير أن ريتر يرى أن المعادلة تغيّرت؛ فأنظمة الدفاع البحري المتقدمة مثل نظام إيجيس القتالي، رغم تعقيدها وتطورها، قد تواجه تحديًا غير مسبوق أمام تكتيكات الإشباع الصاروخي والهجمات المتزامنة منخفضة الكلفة وعالية الكثافة.
ويتسع التحذير ليشمل سباق التسلح العالمي، حيث باتت صواريخ “تسيركون” الفرط صوتية، أو الصواريخ الباليستية المضادة للسفن من طراز “دي إف واحد وعشرون دي”، تمثل تهديدًا حقيقيًا لمفهوم “المنصة البحرية غير القابلة للمساس”. إنها ليست مجرد أسلحة جديدة، بل مؤشرات على انتقال مركز الثقل من التفوق العددي والتكنولوجي التقليدي إلى سباق سرعة ودقة وتكلفة.
غير أن المسألة لا تتعلق بالعتاد وحده. فالتاريخ الحديث يُظهر أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية. في حرب فيتنام (1955–1975)، انسحبت الولايات المتحدة بعد سنوات طويلة من القتال دون تحقيق هدفها الاستراتيجي. وفي الحرب الكورية (1950–1953)، انتهى النزاع إلى هدنة أبقت الحدود شبه ثابتة، من دون حسم حقيقي.
أما في الصومال، فقد شكّلت عملية “القوطي الثعبان” عام 1993 نقطة تحوّل، حين تحولت مهمة محدودة إلى معركة شوارع دامية، خُلّدت لاحقًا في فيلم “سقوط الصقر الأسود”. لم تكن الخسارة عسكرية فحسب، بل سياسية ونفسية، وأعادت صياغة حسابات التدخل الأمريكي لسنوات.
اليوم، ومع تمركز “أبراهام لينكولن” في منطقة تعجّ بالتوترات، تعود الأسئلة القديمة بثوب جديد: هل ما زالت حاملات الطائرات رمز الردع الأقصى؟ أم أنها باتت أصولًا باهظة الثمن في بيئة قتالية تتغير أسرع مما تتكيف معه العقائد العسكرية؟
افتتاحيتنا تؤكد أن عالم ما بعد الصواريخ الفرط صوتية وأسراب المسيّرات ليس كما قبله. الردع لم يعد مسألة حجم وقوة نارية فقط، بل معادلة معقدة من التكنولوجيا والتكلفة والإرادة السياسية. وفي هذا السياق، تبدو تحذيرات سكوت ريتر دعوة لإعادة التفكير، لا في قطعة بحرية بعينها، بل في فلسفة القوة ذاتها.
اقرأ المزيد على الرابط: https://www.elhodh.info/


















